الأحد، 26 أبريل 2026

البكاء بين يدى زرقاء اليمامة

قصيدة" البكاء بين يدي زرقاء اليمامة" لأمل دنقل:
بعد هزيمة 67 كتب أمل دنقل هذه القصيدة، يستدعي فيها حدث إخبار زرقاء اليمامة لأهل قبيلتها برؤية جيوش قادمة لغزوهم، فلم يصدقوها واستخفوا بتحذيرها، فداهمهم الغزاة على حين غرة وأعملوا فيهم السيف والرماح وأثخنوا فيهم الجراح، فندم القوم حين لم يعد للندم من فائدة.
العرافة المقدسة
جئت إليك مثخنا بالطعنات والدماء
أزحف في معاطف القتلى، وفوق الجثث المكدسة
منكسر السيف، مغبر الجبين والأعضاء
أسأل يا زرقاء
عن فمك الياقوت عن نبوءة العذراء
عن ساعدي المقطوع .. وهو ما يزال ممسكا بالراية المنكسة
عن صور الأطفال في الخوذات... ملقاة على الصحراء
عن جاري الذي يهم بارتشاف الماء
فيثقب الرصاص رأسه .. في لحظة الملامسة
عن الفم المحشو بالرمال والدماء
أسأل يا زرقاء
عن وقفتي العزلاء بين السيف .. والجدار
عن صرخة المرأة بين السبي والفرار
كيف حملت العار
ثم مشيت؟ دون أن أقتل نفسي؟ دون أن أنهار؟
ودون أن يسقط لحمي .. من غبار التربة المدنسة؟
تكلمي أيتها النبية المقدسة
تكلمي بالله باللعنة بالشيطان
لا تغمضي عينيك، فالجرذان
تلعق من دمي حساءها .. ولا أردها
تكلمي لشد ما أنا مهان
لا الليل يخفي عورتي .. ولا الجدران
ولا اختبائي في الصحيفة التي أشدها
ولا احتمائي في سحائب الدخان ..
تقفز حولي طفلة واسعة العينين.. عذبة المشاكسة
كان يقص عنك يا صغيرتي .. ونحن في الخنادق
فنفتح الأزرار في ستراتنا .. ونسند البنادق
وحين مات عطشا في الصحراء المشمسة
رطب باسمك الشفاه اليابسة
وارتخت العينان
فأين أخفي وجهي المتهم المدان؟
والضحكة الطروب: ضحكته ..
والوجه .. والغمازتان
***
أيتها النبية المقدسة
لا تسكتي .. فقد سكت سنة فسنة لكي أنال فضلة الأمان
قيل لي اخرس
فخرست وعميت ائتممت بالخصيان
ظللت في عبيد عبس أحرس القطعان
أجتز صوفها
أرد نوقها
أنام في حظائر النسيان
طعامي الكسرة والماء وبعض التمرات اليابسة
وها أنا في ساعة الطعان
ساعة أن تخاذل الكماة والرماة والفرسان
دعيت للميدان
أنا الذي ما ذقت لحم الضان
أنا الذي لا حول لي أو شأن
أنا الذي أقصيت عن مجالس الفتيان
أدعى الى الموت ولم أدعَ الى المجالسة
تكلمي أيتها النبية المقدسة
تكلمي تكلمي
فها أنا علي التراب سائل دمي
وهو ظمئ يطلب المزيدا
أسائل الصمت الذي يخنقني
ما للجمال مشيها وئيدا
أجندلا يحملن أم حديدا
فمن ترى يصدقني؟
أسائل الركع والسجودا
أسائل القيودا
ما للجمال مشيها ويدا
ما للجمال مشيها وئيدا؟
***
أيتها العرافة المقدسة
ماذا تفيد الكلمات البائسة؟
قلت لهم ما قلت عن قوافل الغبار
فاتهموا عينيك، يا زرقاء بالبوار
قلت لهم ما قلت عن مسيرة الأشجار
فاستضحكوا من وهمك الثرثار
وحين فوجئوا بحد السيف: قايضوا بنا
والتمسوا النجاة والفرار
ونحن جرحي القلب
جرحي الروح والفم
لم يبقي الا الموت
والحطام
والدمار
وصبية مشردون يعبرون آخر الأنهار
ونسوة يسقن في سلاسل الأسر
وفي ثياب العار
مطاطئات الرأس، لا يملكن الا الصرخات التاعسة
* * *
ها أنت يا زرقاء
وحيدة، عمياء
وما تزال أغنيات الحب، والأضواء
والعربات الفارهات، والأزياء
فأين أخفي وجهي المشوها
كي لا أعكر الصفاء الأبله المموها
في أعين الرجال والنساء
وأنت يا زرقاء
وحيدة عمياء
وحيدة عمياء
يونيو 1967

الثلاثاء، 21 أبريل 2026

ستى بهيية

تلفون من البلد

في حي امبابة، في أحد مساءات الثمانينات، حين كان التليفون رفاهية نادرة لا يملكها إلا القليل، جاء الخبر.


وقف محجوب علي أحمد أمام باب الجار، حيث الهاتف الوحيد في الشارع، يستمع بصمت ثقيل.

ثم خرج، ووجهه شاحب كأنما سُحب منه الدم.


قال بصوت مكسور:

“محمد محجوب… أخويا الكبير… مات.”


لم يكن هناك وقت للتفكير.

في تلك الأيام، لم يكن الحزن يُؤجَّل.


جمعت فهيمة عبد العال بعض الثياب على عجل، ووقفت إلى جوار زوجها.

وأصرت أختها بدرية أن تذهب معهما.

تركوالابناء خلفهم، ومن بينهم أحمد، ذو الخمس سنوات، الذي لم يفهم لماذا رحلت أمه بدونه، لكنه شعر أن شيئًا ما انكسر في قلبه الصغير.


انطلقوا ليلًا نحو القرية، إلى ناحية شبين الكوم، حيث “حصة مليج”، أصل العائلة.


كان الليل في الريف شيئًا آخر…

ظلام كثيف، وصمت يبتلع الصوت، إلا من نباح بعيد أو همس الريح بين الأشجار.


وصلوا، وطرق محجوب الباب بيد مرتجفة.


فُتح الباب فجأة.


وقف محمد… حيًا.


نظر إليهم بغضب ممزوج بذهول، وقال:

“إنتوا موتتوني! الخبر غلط… محمد تاني من فرع إسكندرية هو اللي مات!”


تجمدت اللحظة، ثم انفجرت الحياة من جديد.

ضحك، بكاء، عناق طويل… كأنهم عادوا من موت حقيقي.


جلسوا قليلًا، ثم قالت فهيمة:

“نروح نسلم على أمي… ونبات عندها الليلة.”


في بيتها ، استقبلتهم بهية بوجهها الطيب المعتاد،

رحّبت، وأعدّت الطعام، وسألت، واطمأنت…

ثم تركتهم ينامون.


في الصباح، استيقظوا على هدوء غريب.


نادوا:

“يا أمي…”


لا رد.


اقتربوا منها…

كانت ساكنة أكثر مما ينبغي.


نامت بهية…

لكنها لم تستيقظ.


كأن القدر صحح الخبر بطريقته الخاصة