الأحد، 22 فبراير 2026

 الارهاب العلمانى

ليست المأساة في مصر بعد 2013 أن التجربة الديمقراطية وُئدت فقط، بل أن من شاركوا في وأدها يقدّمون أنفسهم اليوم بوصفهم ضحايا. نخب علمانية وليبرالية طالما ملأت الفضاء العام حديثًا عن الحرية والدولة المدنية، هرعت إلى أحضان المؤسسة العسكرية في 30 يونيو، وباركت إقصاء أول تجربة ديمقراطية حقيقية بعد ثورة 25 يناير. واليوم، وبعد أن انقلب السحر على الساحر، يرتفع صوت الشكوى، لا دفاعًا عن الحرية، بل ندمًا على الخروج من دائرة الامتياز.



ما جرى في 2013 لم يكن “تصحيح مسار” كما رُوّج له، بل كان انقلابًا مكتمل الأركان على فكرة الديمقراطية ذاتها، شاركت فيه قطاعات من النخبة بوعي كامل. هؤلاء لم يُخدعوا، بل اختاروا التحالف مع القوة الصلبة ظنًا أنها ستقصي خصومهم فقط، وتمنحهم لاحقًا مساحة للهيمنة السياسية والإعلامية. لقد استبدلوا الصندوق بالدبابة، والإرادة الشعبية ببيانات التفويض، وأرسوا سابقة خطيرة مفادها أن نتائج الديمقراطية تُقبل فقط إذا جاءت على هوى النخبة.



والأخطر من ذلك أن كثيرًا ممن يرفعون اليوم شعارات الحرية لم يغادروا صف العسكرة أصلًا. ما زالوا يدافعون عن النظام، ويبررون القمع، ويهاجمون أي صوت معارض حقيقي، طالما ظلوا داخل دائرة الرضا والحماية. الذين يشتكون اليوم ليسوا من اكتشفوا فجأة قيمة الحرية، بل من تم نبذهم أو الاستغناء عنهم من قبل السلطة العسكرية. أما من لا يزال مقبولًا أو مستفيدًا، فيواصل الخطاب نفسه: تخوين المعارضين، تبرير السجون، وتقديم الاستبداد باعتباره “ضرورة وطنية”.



إن ادعاء المظلومية في هذا السياق ليس إلا محاولة لإعادة تدوير الذات سياسيًا وأخلاقيًا. فلا يمكن لمن صفق لإغلاق المجال العام، وبارك المحاكمات السياسية، وسكت عن الدم والسجون، أن يتحدث عن الحرية بوجه بريء. المشكلة ليست في القمع ذاته بالنسبة لهؤلاء، بل في كونه لم يعد انتقائيًا كما تمنّوا. لقد أرادوا استبدادًا مُسيطرًا عليه، فإذا به استبداد أعمى لا يفرّق بين حليف سابق وخصم دائم.


وإلى اليوم، ما زال كثيرون — بل أكاد أجزم أن غالبيتهم — يرفضون صراحةً أو ضمنًا حكم الصندوق والديمقراطية الحقيقية، لا لعيبٍ فيها، بل لأنهم يعلمون جيدًا ماذا سيقول الصندوق إذا تُرك حرًّا، ومن سيأتي به الشعب إذا أُتيحت له فرصة الاختيار دون وصاية أو توجيه. إن خوفهم ليس على الدولة ولا على “مدنيتها”، بل على مواقعهم هم، لأنهم يدركون أن الشعب الذي يحتقرونه في خطاباتهم المغلّفة، لن يمنحهم الشرعية التي عجزوا عن انتزاعها إلا عبر التحالف مع القوة العسكرية. فالديمقراطية بالنسبة لهم خطر حقيقي، لأنها تكشف حجمهم الطبيعي، وتعيدهم إلى صفوف الأقلية التي لا وزن لها خارج حماية السلاح


إن ما تعيشه هذه النخب اليوم ليس ظلمًا تاريخيًا، بل نتيجة منطقية لاختيارات واعية. الحرية لا تُستدعى عند الخلاف مع السلطة، ولا تُنسى عند التحالف معها. ومن لم يدافع عنها حين سُحقت خصومه، لا يملك أي حق أخلاقي في البكاء عليها حين التهمته الآلة نفسها. فالعسكرة لا تصنع شركاء، بل تستخدم الجميع مؤقتًا… ثم تُلقي بهم واحدًا تلو الآخر


احمد محجوب

 شِسْعِ نَعْلِ كُلَيْب… حين يصبح الثأر لغة الوجود


كم تمنّيت، لا بدافع الحلم وحده، بل لأن الروح لا تهدأ، أن أكون صانعًا للدراما، كاتبًا يُجيد الإصغاء للأسطورة، أو مخرجًا يعرف كيف يُمسك بالضوء حين يرتجف، لأصنع عملًا فنيًا يليق بهذه الملحمة العربية العاتية؛ ملحمة كليب والزير سالم، حيث لا يكون الدم نهاية، بل بداية، ولا يكون القول كلامًا، بل قدرًا.


أيّ ملحمة هذه التي لا تزال، بعد قرون، تنبض كأنها حدثت بالأمس؟

وأي جملة تلك التي نُطقت فغيّرت مجرى التاريخ، حين قال الزير سالم، لا صائحًا ولا متفاخرًا، بل ببرود الجرح المفتوح:


«لا أطلبُ إلا بِشِسْعِ نَعْلِ كُلَيْب»


لم يكن الشِّسع غاية، بل رمزًا.

ولم يكن الطلب صِغَرًا، بل إعلان أن الكرامة إذا انكسرت لا تُجبر إلا بإعادة المعنى كاملًا، ولو في أدنى صورة. من هنا تحولت الحرب من ثأرٍ محدود إلى ملحمة لا تشبع من الدم، لأن الرمز حين يُهان، تُستباح الأرواح.



الجليلة… المرأة التي دفعت ثمن الدم مرتين


وفي قلب هذا الضجيج الذكوري، تقف الجليلة بنت مرة، لا بسيفٍ ولا براية، بل بصمتٍ أثقل من الحديد.

هي أخت جساس… وهي زوجة كليب.

وما بين هاتين الصفتين انشطر قلبها إلى نصفين لا يلتقيان.


كانت الجليلة وعدًا بالسلام حين تزوجت كليب، جسرًا بين بكر وتغلب، ووجهًا آخر للحياة في زمنٍ اعتاد الموت. لكن القدر كان أسرع من الحلم، وحين رفع جساس يده، لم يقتل كليب وحده، بل قتل بيت أخته، وطمأنينتها، واسمها كزوجة وكأخت في آنٍ واحد.


أي مأساة أعمق من أن يكون القاتل أخاك، والمقتول زوجك؟

وأي قسوة أن تُطالَب بالصمت لأن الكلام خيانة لأي طرف؟


بعد مقتل كليب، لم تمت الجليلة، لكنها عاشت كمن يسير في جنازة لا تنتهي.

لا تستطيع أن تثأر، لأن الثأر من رحمها.

ولا تستطيع أن تعفو، لأن الدم في سريرها.

ولا تنتمي إلى حرب، ولا يُسمح لها بالسلام.


كانت الجليلة الخسارة التي لم تُكتب في سجل الانتصارات، والجرح الذي لم يُغنَّ له الشعر، مع أنه الأعمق.



لو صُنعت هذه الأسطورة اليوم


لو قُدِّر لهذه الملحمة أن تُصاغ بعيون درامية معاصرة، لما كانت مجرد سيوف وصهيل، بل حكاية عن الإنسان حين يُسحق بين المعنى والدم.

لكان الزير سالم صوت الجرح الغاضب.

وكان كليب رمز الكبرياء المكسور.

وكان جساس لحظة الطيش التي لا تعود.

لكن الجليلة… كانت الحقيقة العارية: أن الحروب لا تقتل الرجال وحدهم، بل تقتل النساء صمتًا.





«بِشِسْعِ نَعْلِ كُلَيْب» لم تكن عبارة، بل لعنة شعرية أُطلقت فاشتعل الزمن.

ومملحمة كليب والزير ليست قصة ثأر، بل مرثية طويلة للإنسان العربي حين يضع الكرامة في كفة، والحياة في كفة أخرى، فلا ينجو شيء.

احمد محجوب

 من غرناطة إلى القدس: حين يبكي التاريخ مرتين


في مساءٍ باردٍ من شتاء عام 1492، أُغلِقت أبواب غرناطة، وطويت صفحة من كتاب الأندلس.

لم يكن سقوط مدينة، بل انكسار ذاكرة، وانطفاء قنديل ظلَّ يضيء لقرون في أقصى الغرب الإسلامي.


هناك، تحت سماء تفيض بالبرتقال والياسمين، وقف آخر ملوك بني الأحمر يسلم المفاتيح إلى فرديناند الثاني وإيزابيلا الأولى. قيل إن الدموع سالت، وقيل إن الكلمات اختنقت، لكن المؤكد أن التاريخ لا ينسى تلك اللحظة التي تحولت فيها الحضارة إلى حنين.


وكأن لسان حال الزمن كان يردد أبيات أبي البقاء الرندي وهو يرثي المدن الساقطة:


لكلِّ شيءٍ إذا ما تمَّ نقصانُ

فلا يُغَرَّ بطيبِ العيشِ إنسانُ

هي الأمورُ كما شاهدتُها دُوَلٌ

من سرَّهُ زمنٌ ساءتهُ أزمانُ


لم يكن السقوط فجأة.

بل بدأ همسًا…

ثم خلافًا…

ثم انقسامًا…

ثم إماراتٍ صغيرة تتنازع على ظلِّ عرشٍ كبير.

كان عصر ملوك الطوائف مرآةً لانقسامٍ داخلي أنهك الجسد قبل أن يطعنه العدو.

وحين انشغل الإخوة بالصراع، كان الآخر يبني مشروعه بصبرٍ طويل.


ثم جاءت الوعود:

حريةُ دينٍ، أمانٌ على النفس والمال.

لكن ما لبثت أن أُطفئت المصابيح، وقامت محاكم التفتيش الإسبانية، وبدأت رحلة الألم الطويلة…

تهجيرٌ، تنصيرٌ قسري، ومحوُ هويةٍ كانت يومًا منارة علمٍ للعالم.



واليوم…

يمرُّ القلب على مشهدٍ آخر في الشرق،

حيث تقوم إسرائيل منذ عام 1948، في قلب منطقةٍ تتنازعها الجراح.

أرضٌ اسمها فلسطين، ومدينةٌ اسمها القدس، وغزة التي صارت عنوانًا للألم والصمود.


التاريخ لا يتكرر حرفيًا، لكن صوره تتشابه.

انقسامٌ هنا…

اختلافٌ هناك…

تحالفاتٌ تتبدل…

وعدوٌّ يعرف ماذا يريد.


ليس المقصود تشبيه الشعوب بالشعوب، ولا اختزال الصراعات في لونٍ ديني واحد، فالتاريخ أعقد من ذلك.

لكن القلق الذي يسكن القلوب اليوم يشبه ذاك القلق الذي سبق سقوط الأندلس:

هل يمكن أن يؤدي التشرذم إلى فقدان ما تبقى؟

هل يمكن أن يصبح الحلم ذكرى كما أصبحت قرطبة ذكرى؟



في فلسطين اليوم، يولد الشعر من تحت الركام.

لا لأن الألم جميل، بل لأن الروح تأبى أن تموت.


ومن نبض الحاضر، يمكن أن تُكتب كلمات تقول:


يا قدسُ، يا وجعَ المآذنِ حين تنكسرُ الظلالْ

يا قبلةَ التاريخِ، يا وجعَ السؤالْ

إن طال ليلُ الحزنِ فيكِ ففجرُكِ الآتي محالْ؟

أم أن في صدرِ الجراحِ مقاومةً لا تستقالْ؟


غزةُ…

يا نبضَ الذينَ على الرمادِ تشبثوا

وتوضؤوا من دمعهم

ثم ارتقوا

ما بين صبرٍ لا يلينُ

وبين طفلٍ في الحصارِ يقول:

إن الفجرَ آتٍ… وإن طالَ النحيبُ.



الدرس الأندلسي ليس قدرًا محتومًا، بل تحذيرٌ مكتوب بالحبر والدمع:

الأمم لا تُهزم حين تُحارَب فقط، بل حين تفقد بوصلتها.

وحين يغيب مشروعها الجامع.

وحين تتحول الخلافات إلى شروخٍ عميقة في الجدار.


سقطت الأندلس حين تفرقت القلوب قبل أن تتهاوى الأسوار.

والخوف اليوم ليس من قوة الآخر بقدر ما هو من ضعف الذات.


لكن بين الأندلس وفلسطين فرقٌ كبير:

الأندلس انتهت سياسيًا، لكنها بقيت في الذاكرة.

أما فلسطين، فما زالت حاضرة، تنبض، تقاوم، تكتب تاريخها الآن، أمام أعين العالم.



كتب شاعر الأندلس في مرثيته:


يبكي الحنيفيةَ البيضاءَ من أسفٍ

كما بكى لفراقِ الإلفِ هيمانُ


واليوم تبكي القلوب فلسطين،

لكنها — بخلاف بكاء الرندي — لا تريد أن يكون البكاء رثاءً أخيرًا،

بل دعاءً وصمودًا وأملًا.


فالتاريخ قد يُنذر…

لكنه لا يُجبر.

والنهايات لا تُكتب إلا حين تستسلم الإرادة.


وما دام في الأمة طفلٌ يحفظ اسمه،

وأمٌّ تزرع الصبر في صدره،

وشاعرٌ يكتب،

ومفكرٌ يحذر،

وقلبٌ يخاف من تكرار السقوط…


فإن الأندلس تظل درسًا،

لا قدرًا.


وإن فلسطين — مهما اشتد الليل —

ليست مرثيةً بعد.

احمد محجوب على احمد