الثلاثاء، 6 ديسمبر 2011

نحن وحضارة المادة

ركب سيارة فارهه، ويسكن فيلا فاخرة. يرتدي من الملابس اثمنها، وينتعل من الأحذية أجودها. مترفا في مأكله ومشربه، على المرآة مزاحما لزوجته. يفسح له الطريق عند مروره، وتخرس له الحناجر عند حضوره. تلك هي صورته الخارجية، وصفاته الظاهرية. أما إذا تحسست جوهره وخضت في مكنون صفاته، وجدته سيء الخلق كريه المعشر. شحيح المعرفة، سطحي التفكير. جهول السلوك، معوج المنطق. متعال على الضعفاء، متكبر على الفقراء. يرتدي أثمن وأدق الساعات وليس للوقت عنده قيمه، ويعمل من خلف أفخم المكاتب دون أن تكون له إنتاجية.

تلك صورة من صور عدة متفشية في أوساطنا الاجتماعية، حيث التركيز على تلميع الصورة الخارجية والظهور بأبهى حلة، والتباهي بامتلاك المقتنيات المادية وآخر صرعات الموضة العالمية، ظنا منهم أن تلك هي الحضارة المدنية الحديثة وأنهم بهذا الفعل قد واكبوا حضارات الشعوب المتقدمة متناسين دور الدين والأخلاق، دور العلم والمعرفة، دور المبادئ والقيم التي تقوم عليها أسس الحضارات الإنسانية. فلماذا لا يكون الاهتمام بالجوهر كما الاهتمام بالمظهر، لماذا لا نعمل على تلميع عقولنا وأفكارنا وصقل مهاراتنا ومواهبنا كما اشكالنا وهندامنا، لماذا لا نولي اصحاب العقول النيرة من ذوي العلم والمعرفة ذلك الاهتمام الذي يحظى به اصحاب المال والجاه، لماذا لا يرقى تنافسنا العلمي والمعرفي ووعينا الفكري والتربوي إلى مستوى التنافس المادي في المأكل والمشرب، في الملبس والمسكن، وفي جميع الجوانب المادية للحياة.

إن كل ما نعيشه اليوم من الترف المعيشي و التطور المادي ما هو إلا حضارة مادية مستوردة بالمال، نقلتنا من شظف الحياة في الصحراء إلى ترف المعيشة في المدينة، فسكنا في القصور والفلل والأبراج، وامتلكنا اللكزس والمرسيدس واللمبرغيني، وتصدرنا شعوب العالم كوجهة للمنتجات الاستهلاكية، ولكن ما زالت عقولنا تحمل فكر ذلك الأعرابي البدائي الذي يمتطي جمله، ويسكن خيمته لا يكترث إلا لقوت يومه.

فمتى نتهافت على تلقي العلم واستيراد المعرفة تهافتنا على اقتناء جديد التقنية وصرعات الموضة؟!، متى نتسابق في تقليد الغرب في حبهم للعلم والقراءة وانكبابهم على البحث والاختراع تسابقنا في تقليدهم في المظاهر والسلوكيات المشينه؟!، متى نتخلى عن الفوضى ونتعلم النظام؟!، متى نقدم مصلحة العامة على مصلحة الخاصة؟!، ومتى يكون اهتمامنا بنحن كاهتمامنا بالأنا؟!.

كيف لا ونحن أمة إقرأ ولكننا لا نقرأ، كيف لا وكتابنا الكريم يقسم بالقلم أداة العلم الأولى، كيف لا وربنا يحثنا على التفكر والتدبر في أنفسنا وفي ملكوت السموات والأرض، كيف لا ونحن خير أمة أخرجت للناس، كيف لا ونحن أمة محمد صلى الله عليه وسلم معلم البشرية. أما آن الأوان كي نستفيق من سباتنا، أما آن الأوان ان نستعيد عزتنا، أما آن الأوان أن نتخلى عن تبعيتنا وننقذ هويتنا؟! نعم لقد آن الأوان وحلت ساعة العمل ولكن هل من مجيب؟.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق