من غرناطة إلى القدس: حين يبكي التاريخ مرتين
في مساءٍ باردٍ من شتاء عام 1492، أُغلِقت أبواب غرناطة، وطويت صفحة من كتاب الأندلس.
لم يكن سقوط مدينة، بل انكسار ذاكرة، وانطفاء قنديل ظلَّ يضيء لقرون في أقصى الغرب الإسلامي.
هناك، تحت سماء تفيض بالبرتقال والياسمين، وقف آخر ملوك بني الأحمر يسلم المفاتيح إلى فرديناند الثاني وإيزابيلا الأولى. قيل إن الدموع سالت، وقيل إن الكلمات اختنقت، لكن المؤكد أن التاريخ لا ينسى تلك اللحظة التي تحولت فيها الحضارة إلى حنين.
وكأن لسان حال الزمن كان يردد أبيات أبي البقاء الرندي وهو يرثي المدن الساقطة:
لكلِّ شيءٍ إذا ما تمَّ نقصانُ
فلا يُغَرَّ بطيبِ العيشِ إنسانُ
هي الأمورُ كما شاهدتُها دُوَلٌ
من سرَّهُ زمنٌ ساءتهُ أزمانُ
لم يكن السقوط فجأة.
بل بدأ همسًا…
ثم خلافًا…
ثم انقسامًا…
ثم إماراتٍ صغيرة تتنازع على ظلِّ عرشٍ كبير.
كان عصر ملوك الطوائف مرآةً لانقسامٍ داخلي أنهك الجسد قبل أن يطعنه العدو.
وحين انشغل الإخوة بالصراع، كان الآخر يبني مشروعه بصبرٍ طويل.
ثم جاءت الوعود:
حريةُ دينٍ، أمانٌ على النفس والمال.
لكن ما لبثت أن أُطفئت المصابيح، وقامت محاكم التفتيش الإسبانية، وبدأت رحلة الألم الطويلة…
تهجيرٌ، تنصيرٌ قسري، ومحوُ هويةٍ كانت يومًا منارة علمٍ للعالم.
⸻
واليوم…
يمرُّ القلب على مشهدٍ آخر في الشرق،
حيث تقوم إسرائيل منذ عام 1948، في قلب منطقةٍ تتنازعها الجراح.
أرضٌ اسمها فلسطين، ومدينةٌ اسمها القدس، وغزة التي صارت عنوانًا للألم والصمود.
التاريخ لا يتكرر حرفيًا، لكن صوره تتشابه.
انقسامٌ هنا…
اختلافٌ هناك…
تحالفاتٌ تتبدل…
وعدوٌّ يعرف ماذا يريد.
ليس المقصود تشبيه الشعوب بالشعوب، ولا اختزال الصراعات في لونٍ ديني واحد، فالتاريخ أعقد من ذلك.
لكن القلق الذي يسكن القلوب اليوم يشبه ذاك القلق الذي سبق سقوط الأندلس:
هل يمكن أن يؤدي التشرذم إلى فقدان ما تبقى؟
هل يمكن أن يصبح الحلم ذكرى كما أصبحت قرطبة ذكرى؟
⸻
في فلسطين اليوم، يولد الشعر من تحت الركام.
لا لأن الألم جميل، بل لأن الروح تأبى أن تموت.
ومن نبض الحاضر، يمكن أن تُكتب كلمات تقول:
يا قدسُ، يا وجعَ المآذنِ حين تنكسرُ الظلالْ
يا قبلةَ التاريخِ، يا وجعَ السؤالْ
إن طال ليلُ الحزنِ فيكِ ففجرُكِ الآتي محالْ؟
أم أن في صدرِ الجراحِ مقاومةً لا تستقالْ؟
غزةُ…
يا نبضَ الذينَ على الرمادِ تشبثوا
وتوضؤوا من دمعهم
ثم ارتقوا
ما بين صبرٍ لا يلينُ
وبين طفلٍ في الحصارِ يقول:
إن الفجرَ آتٍ… وإن طالَ النحيبُ.
⸻
الدرس الأندلسي ليس قدرًا محتومًا، بل تحذيرٌ مكتوب بالحبر والدمع:
الأمم لا تُهزم حين تُحارَب فقط، بل حين تفقد بوصلتها.
وحين يغيب مشروعها الجامع.
وحين تتحول الخلافات إلى شروخٍ عميقة في الجدار.
سقطت الأندلس حين تفرقت القلوب قبل أن تتهاوى الأسوار.
والخوف اليوم ليس من قوة الآخر بقدر ما هو من ضعف الذات.
لكن بين الأندلس وفلسطين فرقٌ كبير:
الأندلس انتهت سياسيًا، لكنها بقيت في الذاكرة.
أما فلسطين، فما زالت حاضرة، تنبض، تقاوم، تكتب تاريخها الآن، أمام أعين العالم.
⸻
كتب شاعر الأندلس في مرثيته:
يبكي الحنيفيةَ البيضاءَ من أسفٍ
كما بكى لفراقِ الإلفِ هيمانُ
واليوم تبكي القلوب فلسطين،
لكنها — بخلاف بكاء الرندي — لا تريد أن يكون البكاء رثاءً أخيرًا،
بل دعاءً وصمودًا وأملًا.
فالتاريخ قد يُنذر…
لكنه لا يُجبر.
والنهايات لا تُكتب إلا حين تستسلم الإرادة.
وما دام في الأمة طفلٌ يحفظ اسمه،
وأمٌّ تزرع الصبر في صدره،
وشاعرٌ يكتب،
ومفكرٌ يحذر،
وقلبٌ يخاف من تكرار السقوط…
فإن الأندلس تظل درسًا،
لا قدرًا.
وإن فلسطين — مهما اشتد الليل —
ليست مرثيةً بعد.
احمد محجوب على احمد
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق